تقرير رسمي: الفعل العمومي لا يستجيب لتطلعات الشباب المغربي

أنوار التازي الإثنين 6 أكتوبر 2025 - 11:29

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن المغرب حقق تطورا ملحوظا في العديد من مجالات التنمية، تجلى في انطلاق مشاريع مهيكلة وإصلاحات طموحة ترمي إلى تحديث البنيات التحتية، وتنويع النسيج الاقتصادي، وتعزيز المنظومة التربوية، وتعميم الحماية الاجتماعية. وتعكس هذه الدينامية المسعى المتواصل لبلادنا في مواكبة متطلبات التقدم، وتحسين جودة حياة الساكنة.

وسجل المجلس في تقريره السنوي لسنة 2024، أنه رغم ما تحقق من منجزات مهمة على مستوى تأهيل الإمكان البشري ومحاربة الفقر والهشاشة، إلا أن الفعل العمومي الموجه إلى الشباب لم يؤت بعد النتائج المرجوة منه في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة، باعتبار الشباب ثروة وطنية ورافعة استراتيجية للتنمية بمختلف مستوياتها. مشيرا أنه حسب الإحصائيات الرسمية، يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 سنة حوالي 16.1 في المائة من مجموع الساكنة ، إلا أن استثمار هذا الرصيد البشري يبقى دون القدر الأمثل، كما تظل فرص الارتقاء الاجتماعي المتاحة أمام الشباب محدودة للغاية، مما يولد شعورا بالإحباط لديهم وصعوبات في الاندماج داخل المجتمع.

وشدد التقرير، على أن هناك انتقال ديمغرافي جار، وإمكان شبابي لم يستثمر بعد، حيث يشهد المغرب حاليا مرحلة استكمال انتقاله الديمغرافي، وعرف معدل النمو الطبيعي للسكان تباطؤاً حاداً، إذ انتقل من ذروته البالغة 2.61 في المائة سنوياً خلال الفترة ما بين 1971 و 1982، إلى حوالي 0.85 في المائة سنوياً ما بين 2014 و 2024. ومن المتوقع أن تُغلق النافذة الديمغرافية بالمغرب في أفق 2040، مما سيؤدي إلى حرمان المغرب من الاستفادة المثلى من الإمكانات التي يمثلها الشباب.

وأشار التقرير، إلى أنه في ظل معدل نمو اقتصادي منخفض وفي تناقص مستمر من حيث محتوى التشغيل، يصل معدل بطالة الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و 24 سنة إلى 36.7 في المائة سنة 2024. كما بلغت نسبة الشباب NEET الذين لا يشتغلون ليسوا في المدرسة ولا يتابعون أي تكوين 25.6 في المائة بالنسبة لهذه الفئة العمرية، و 37 في المائة بالنسبة للنساء. وهذا علاوة على استمرار الهدر المدرسي، وانتشار الشغل غير المنظم الذي يحرم العديد من الشباب من مصدر دخل قار، والاستفادة من منظومة حماية اجتماعية ملائمة. مضيفا أن هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي ينعكس على ارتفاع الرغبة في الهجرة لدى هذه الفئة العمرية، حيث صرح أكثر من نصف الشباب (55) في المائة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 سنة بأنه سبق لهم أن فكروا في الهجرة، وذلك الاعتبارات اقتصادية (45) في المائة، وأسباب مرتبطة بالدراسة (18) في المائة، وبالرشوة (15) في المائة.

كما لاحظ المجلس، عوائق بنيوية تواجه تحرير طاقات الشباب، حيث إن صعوبات إدماج الشباب في سوق الشغل لا ترتبط بعوامل ظرفية عابرة، بل تندرج ضمن جملة من الإكراهات البنيوية المتواصلة. وتتجلى هذه الإكراهات في تعثر مسار الانتقال بين التكوين والتشغيل، وضعف التنسيق بين عدد من الآليات والسياسات العمومية المعتمدة في مجالات التعليم والتشغيل والإدماج السوسيو – اقتصادي.

وسجل المصدر ذاته، أن 70.4 في المائة من الشباب العاطلين عن العمل يعانون من بطالة طويلة الأمد أكثر من سنة، و 73.4 في المائة لم يسبق لهم أن اشتغلوا. وتسلط هذه الوضعية حسب التقرير الضوء على عدم كفاية الجسور المؤدية نحو التشغيل، لا سيما في ما يتعلق بالتدريب والتوجيه، وآليات الوساطة المهنية للقرب. ومن جهة أخرى، لم يعد الحصول على الشهادة الجامعية يضمن بكيفية تلقائية الولوج إلى سوق الشغل، حيث بلغ معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 24 سنة والحاصلين على شهادات عليا 61.2 في المائة. وهو ما يبرز تفاوتا بين المؤهلات الأكاديمية والكفاءات المطلوبة في سوق الشغل. كما أن اللجوء المحدود إلى آليات الوساطة الذي كشفت عنه العديد من الدراسات، يمكن اعتباره مؤشرا على ضعف ثقة هؤلاء الشباب في أدوار مؤسسات الوساطة، أو على صعوبة في استيعاب الآليات المؤسساتية الموجودة لدعم الإدماج المهني.

وأشار المجلس، إلى أن هذه الصعوبة تتزايد بسبب استمرار تعدد المؤسسات وتشتت البرامج المخصصة لتشغيل الشباب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أنابيك فرصة، أوراش أنا مقاول، وغيرها، التي تعمل بكيفية منعزلة ودون أن يكون هناك إطار استراتيجي موحد أو تنسيق في التتبع. وبالتالي حسب التقرير تبقى هذه البرامج غير معروفة بالقدر الكافي بالنسبة للشباب أنفسهم، ولا تلجأ إليها سوى أقلية من الشباب العاطلين الذين يعلمون بوجود واحد منها على الأقل.

وذكر التقرير، أنه أمام غياب بدائل حقيقية، يلجأ العديد من الشباب إلى إنشاء مشاريع مقاولاتية خاصة بهم غالباً ما تكون بكيفية اضطرارية وليست مبنية على وجود فرص اقتصادية. وحتى عندما ينشئون مقاولاتهم، حسب التقرير فإنهم يواجهون عدة عوائق صعوبة الولوج إلى التمويل إكراهات عقارية، بطء الإجراءات الإدارية، والحاجة إلى مواكبة تقنية وتكوين ملائمين. ورغم إطلاق مبادرات عمومية مثل برنامج انطلاقة الذي يستهدف بالأساس فئة الشباب، فإن أثره ظل محدودا مقارنة مع حجم الحاجيات المطلوبة. هذا، ورغم تمويل آلاف المشاريع، فإن الغالبية العظمى من الشباب، وخاصة الأقل تأهيلا يعتبرون أنهم غير معنيين فعليا بهذه البرامج، أو غير مستعدين بالشكل الكافي لخوض تجربة المقاولة، أما الآليات المخصصة لتجاوز هذه الوضعية من قبيل برنامج «فرصة، فتبقى غير كافية، سواء من حيث نطاقها أو جودة الدعم المقدم، وذلك بالنظر إلى الإكراهات البنيوية المستمرة على مستوى مناخ الأعمال.

ومن جهة أخرى، وبالإضافة إلى هذه الإكراهات البنيوية، يواجه شباب الوسط القروي عوائق أخرى تتعلق أساسا بالبعد الجغرافي عن الأقطاب الاقتصادية، والتكاليف غير المباشرة المرتبطة بالولوج إلى النقل والإقامة والمعلومة، وضعف خدمات المواكبة التي تحد من الاستفادة من الفرص، أما النساء الشابات، فإنهن يعانين فضلا عن ذلك من صعوبات في التنقل والنقل الآمنين، والاستقلالية في المبادرة الاقتصادية، لا سيما في ظل استمرار ممارسات تقييدية وتمييزية ضد المرأة داخل المجتمع القروي. يضيف التقرير. كما يساهم تمركز الفرص الاقتصادية في ثلاث جهات تخلق حوالي 58 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي 24، في تعميق الفوارق الترابية، وتغذية حركيات الهجرة الداخلية والخارجية لدى الشباب.

وشدد التقرير، على أن هذه الوضعية التي تتسم بعدم ملاءمة الديناميات السوسيو اقتصادية مع حاجيات الشباب، تؤدي إلى تداعيات سلبية على عدة مستويات. ففي ما يخص سوق الشغل، يبلغ معدل بطالة الشباب من 15 إلى 24 سنة، نسبة 36.7 في المائة، ويتجاوز 48 في المائة في الوسط الحضري، وهو ما يعزز اتساع نطاق العمل غير المنظم وهشاشة المسارات المهنية وضعف تشغيل الشباب ، ويشتغل أكثر من 4 شباب نشيطين من بين 10 أي 41.9 في المائة في مناصب شغل غير مؤدى عنه، وهي النسبة التي ترتفع في الوسط القروي 58.8 في المائة أكثر منه في الوسط الحضري (16.9) في المائة، وفي صفوف النساء (49.9) في المائة مقارنة مع الرجال (39.7 في المائة). مؤكدا أن هذا العجز في الإدماج يؤدي إلى شعور بالاحتقان الاجتماعي لدى الشباب حيث تتراجع نسبة مشاركتهم في الحياة العامة والسياسية، كما يغذي عزوفهم عن الحياة الحزبية معتبرين أنفسهم أحيانا مجرد أدوات يتم استغلالها بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية، وترى شريحة غير قليلة من الشباب أنهم غير ممثلين في المؤسسات أو لا يتم الإنصات اليهم من قبلها، مما يعزز أزمة الثقة، ويُرجح خيار الانسحاب تدريجيا من الفضاءات العمومية.

وخلص التقرير، إلى أنه في ضوء هذا التشخيص، أصبح من الأهمية بمكان تحويل الانشغالات المعبر عنها إلى تدابير ملموسة عن طريق وضع الشباب في صلب السياسات العمومية، والقطع مع التصور الذي يعتبرهم مجرد مستهلكين أو مستفيدين من هذه السياسات، وبالتالي الاعتراف بدورهم كفاعلين في مسار تحول بلادنا كما أوصى بذلك النموذج التنموي الجديد.

وأوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتعزيز تمكين الشباب من خلال التربية والتكوين وتطوير قدرات الشباب أخذا في الاعتبار التفاوتات الاجتماعية أو الترابية، وذلك من خلال تمكينهم من المهارات المعرفية والمهنية الضرورية، وضمان تكافؤ الفرص في قابلية التشغيل. و تعزيز الإدماج السوسيو اقتصادي للشباب من خلال صدمة مقاولاتية موجهة وتحفيز ريادة الأعمال لدى الشباب من خلال اعتماد استراتيجية وطنية طموحة تستند في تنزيلها إلى نظام الدعم الخاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة الذي ينص عليه ميثاق الاستثمار، وذلك من أجل إنشاء مقاولات مستدامة وقادرة على الاستمرارية، وتعزيز جاذبية القطاع المنظم بالنسبة للشباب.

ودعا المجلس، في هذا الصدد، إلى توسيع التغطية الجغرافية وتسهيل الولوج إلى البرامج الموجهة إلى حاملي المشاريع الشباب عبر تعميمها على كافة الجهات وإحداث شبابيك موحدة ومنصات رقمية ملائمة، مع الاستفادة من تجارب المراكز الجهوية للاستثمار، وتعزيز خدمات المواكبة غير المالية، ولا سيما بعد مرحلة إحداث المقاولات من قبل الشباب من خلال تنظيم الفاعلين في مجال المواكبة، وإرساء نظام للتصديق والاعتماد قائم على جودة الخدمات وأثرها الفعلي، وإحداث حاضنات ومسرعات تحويل الأفكار الابتكارية إلى مشاريع مقاولاتية حسب كل قطاع على حدة، وموزعة بشكل متوازن على المستوى الترابي، من أجل مواكبة المقاولات الناشئة في مختلف مراحل تطورها، وتعبئة شبكات المقاولين من ذوي التجربة من أجل تقديم خدمات التوجيه والتأطير والتكوين الفائدة حاملي المشاريع الشباب.

وشدد المجلس، على ضرورة تعزيز اللاتمركز الإداري والرفع من نجاعة واستجابة المرافق العمومية من أجل تبسيط المساطر وتسريعها الفائدة الشباب حاملي الأفكار والمشاريع، وتسريع وتيرة الرقمنة لتيسير العمليات بين مختلف المرافق العمومية، بما يتيح نزع الطابع المادي عن المساطر وتتبع الملفات بشكل أفضل، خاصة لفائدة الشباب المقاول، وتيسير ولوج المقاولين الشباب إلى الطلبيات العمومية، عبر دراسة إمكانية تحويل كوطا، خاصة لفائدة المقاولات الصغيرة جدا والمقاولات الصغرى والمقاول الذاتي ضمن نسبة 30 في المائة المنصوص عليها في المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، وإحداث منصة للمناولة، وتشجيع الابتكار من خلال آليات مثل الأعمال المبتكرة و العروض التلقائية.

ودعا المجلس، إلى إرساء حكامة مسؤولة وفعالة من أجل الإدماج السوسيو اقتصادي للشباب، من خلال تعزيز حكامة السياسات العمومية الموجهة للشباب من خلال ضمان تجانسها وفعاليتها وشفافيتها. وإحداث هيئة وطنية لتتبع وتنسيق وتقييم البرامج المتعلقة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب، تضم ممثلين عن القطاعات العمومية والخاصة المعنية، مع تنزيلها على الصعيد الجهوي لضمان القرب وفعالية نقل المعلومات، والحرص على أن يتم تنفيذ التدابير المعتمدة بما يتناسب مع حجم البطالة وعدم النشاط في صفوف الشباب، و إعطاء الأولوية لتحسين جودة وأثر البرامج الحالية التي أثبتت نجاعتها، عوض التوسع في إحداث آليات جديدة متفرقة، وضمان تنزيل التدابير وفق مقاربة ترابية تتلاءم مع الخصوصيات الجهوية، مع إشراك أكبر للجماعات الترابية والمراكز الجهوية للاستثمار، والغرف المهنية، والمجتمع المدني، وتشجيع المشاركة الفعلية للشباب في بلورة وتتبع السياسات العمومية التي تهمهم، وذلك لتعزيز الشفافية وضمان انخراطهم الفعلي.

تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Telegram

Leave a comment

1000 / 1000 (Number of characters remaining) .

Terms of publication : Not to offend the writer, people, sacred things, or attack religions or the divine self, and refrain from racial incitement and insults.

تعليقات

0

Related Articles

الأحد 9 نوفمبر 2025 - 11:48

المباراة الودية بين المنتخب المغربي ونظيره الموزمبيقى تجرى بشبابيك مغلقة

الخميس 6 نوفمبر 2025 - 21:50

الداخلة تستقبل مشاريع ثقافية وشبابية جديدة في ذكرى المسيرة الخضراء

الثلاثاء 28 أكتوبر 2025 - 09:34

جدارة تحتفي بجيل جديد من الشباب المتفوقين في يوم الاندماج والامتنان 2025

الأحد 26 أكتوبر 2025 - 13:47

دورة تكوينية للمرصد المغربي لنبذ الإرهاب والتطرف حول دور الشباب في التنمية المستدامة والمواطنة المسؤولة

Logo

Join Our Newsletter & Get the latest updates right in your inbox