لطالما كان العمل التطوعي ركيزة أساسية في تعزيز قيم المواطنة وحب الوطن بين الشباب المغربي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، تجربة “طريق الوحدة” التي أشرف عليها الشهيد المهدي بن بركة سنة 1957، والتي هدفت إلى ربط شمال المغرب بجنوبه وتعزيز الوحدة الوطنية، حيث بادر بتقديم مشروع “طريق الوحدة” إلى الملك محمد الخامس، بهدف ربط المنطقة الشمالية التي كانت تحت الحماية الإسبانية بالمنطقة الجنوبية التي كانت تحت الحماية الفرنسية. امتد المشروع على مسافة 80 كيلومترًا بين تاونات وكتامة، وساهم فيه نحو 12 ألف شاب مغربي عبر العمل التطوعي.
لم يكن الهدف من المشروع مجرد شق طريق فحسب، بل كان مدرسة لتعليم الشباب قيم التعاون والتضامن والمسؤولية. فقد تضمن البرنامج اليومي للمتطوعين أنشطة رياضية صباحية، وأعمالًا يدوية لبناء الطريق، وجلسات تثقيفية حول تاريخ المغرب وثقافته ومجتمعه. وكان الشعار المركزي للمشروع: “نبني الطريق والطريق تبنينا”، مما يعكس الفلسفة التي تبناها المهدي بن بركة في بناء الإنسان والمجتمع معًا.
دور المؤسسات التربوية: دار الشباب وبرنامج التخييم الصيفي
إلى جانب مشاريع كـ”طريق الوحدة”، لعبت مؤسسات مثل دور الشباب وبرامج التخييم الصيفي دورًا محوريًا في تنشئة الأجيال الصاعدة على قيم المواطنة والعمل الجماعي. فقد كانت دور الشباب فضاءات يلتقي فيها الشباب لتبادل الأفكار وتطوير مهاراتهم، بينما وفّرت المخيمات الصيفية بيئة تعليمية وترفيهية تُعزّز القيم الأخلاقية والاجتماعية. ورغم بساطة هذه البرامج وقلة إمكانياتها، إلا أنها نجحت في تكوين مواطنين صالحين قادرين على تحمل المسؤوليات المجتمعية وحتى السياسية.
تراجع قيم التطوع: الأسباب والتحديات
في الوقت الحالي، نلاحظ تراجعًا ملحوظًا في انخراط الشباب في العمل التطوعي، مما أدى إلى ضعف في قيم المواطنة والتضامن. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب:
* تعقيد البرامج الحديثة: رغم تعدد البرامج والمخططات الموجهة للشباب، إلا أن تعقيدها وصعوبة الوصول إليها جعلت العديد من الشباب يعزفون عن المشاركة فيها.
* ضعف التواصل والتوجيه: غياب التوجيه المناسب والتواصل الفعّال بين المؤسسات والشباب أدى إلى فجوة في فهم احتياجاتهم وتطلعاتهم.
* التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية: أدى التطور التكنولوجي السريع والتغيرات الاجتماعية إلى تغيير اهتمامات الشباب، مما جعل الأنشطة التقليدية أقل جاذبية لهم البحث عن صيغ جديدة للتطوع في ظل التطور التكنولوجي.
البحث عن صيغ جديدة للتطوع في ظل التطور التكنولوجي
مواكبة التطورات الحالية وجذب الشباب نحو العمل التطوعي، يجب على المؤسسات المعنية تبني استراتيجيات مبتكرة تتماشى مع اهتماماتهم وتطلعاتهم. ومن بين هذه الاستراتيجيات:
* الاستفادة من التكنولوجيا: استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للترويج للأنشطة التطوعية وتسهيل الوصول إليها.
* تطوير برامج مرنة ومبتكرة: تصميم برامج تطوعية تتناسب مع اهتمامات الشباب وتوفر لهم فرصًا لتطوير مهاراتهم الشخصية والمهنية.
* تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص: التعاون مع الشركات والمؤسسات الخاصة لتوفير موارد ودعم للبرامج التطوعية، مما يزيد من جاذبيتها واستدامتها.
في الختام، يُعتبر العمل التطوعي أداة فعّالة لتعزيز قيم المواطنة وبناء مجتمع متماسك. ولتحقيق ذلك، يجب على المؤسسات التربوية والمجتمعية تبني نهج شامل ومبتكر يُلبي احتياجات الشباب ويُشجعهم على المشاركة الفعّالة في تطوير مجتمعهم.




تعليقات
0